للانقاذ

مرحبا بك في مندى للانقاذ
حللت اهلا ونزلت سهلا
مفيد ومستفيد ان شاء الله


سلفية المنهج_جزءرية الافكار_اخوانية التنظيم
 
الرئيسيةمنتدى للانقاذاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
جديد الشيخ علي بلحاجhttp://salut.mountada.net/t385-topic#483
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
من روائع التلاوة

صورة ورموز

حكمة الا سبوع

لا تستحي من إعطاء القليل ,

فإن الحرمان اقل منه

مسيرة ومسار

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blinklist  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Technorati  

قم بحفض و مشاطرة الرابط للانقاذ على موقع حفض الصفحات
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث

شاطر | 
 

 رسالة في تسوية الصفوف وإقامتها وإكمالها ورصها وسد الفرج

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
انقاذي
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 192
نقاطي : 522
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 26/11/2013

مُساهمةموضوع: رسالة في تسوية الصفوف وإقامتها وإكمالها ورصها وسد الفرج   الأحد 6 أغسطس 2017 - 13:07

رسالة في تسوية الصفوف وإقامتها وإكمالها ورصها وسد الفرج
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد؛ فإنَّ تَسوية الصفوف وما يتعلق بها من إقامة الصفوف، وإتمامها وتراصِّها، وتَعديلها، وإتمام الصف الأول فالأول وإكماله وهَكذا، وسدِّ الفُرَج أو الخَلَلِ فيها - باتت من السنن المهجورة، بل - ويؤسفني أن أقول ذلك - المجهولة، ولا سيَّما عند الكثير والكثير من طلبة العلم فضلاً عن عامة الناس، حتى قال الإمام النووي رحمه الله: "ومِن السُّنن المهملة المَغفول عنها: تسوية الصفوف والتراص فيها، وقد كان عليه الصلاة والسلام يتولى فعل ذلك بنفسه، ويُكثر التحريض عليه والأمر به"[1].

فتأمل كيف كان حال هذه السنَّة، مع هذا الذي قاله مِن حرص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليها قولاً وفعلاً، بل - وكما سنرى - إننا لو قلنا: إن هذه السنَّة تكاد تكون مِن السُّنن المتواترة، والتي كانت معلومة ومعمول بها عند السلف قطعًا، ما أبعدْنا النُّجعَة؛ ذلك أنك قلَّما تجد كتاب حديث، أو فقه، أو ترجمة...، إلاَّ وتجد أنه حرص على ذكر هذه السنَّة، أو شيئًا مما يتعلق بها، وعنايتهم لها، حتى كادت - ولكثرة ما ورَد من النصوص فيها - تعدُّ - إن لم نقل: إنها عُدَّت فعلاً - من المسائل المُجمَع عليها، والمُسلَّم بها.
 
فهذا الإمام ابن عبدالبر يقول: في تسوية الصفوف: "هو أمر مُجتمَع عليه، والآثار عن النبي عليه السلام كثيرة فيه"[2]، كما قال - أيضًا -: "وأما تَسوية الصفوف في الصلاة فالآثار فيها مُتواتِرة مِن طرُق شتَّى، صِحاح كلُّها ثابتة في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسوية الصفوف، وعمل الخلفاء الراشدين بذلك بعده، وهذا ما لا خلاف فيما بين العلماء فيه"[3]، وقال العراقي: "والأحاديث في هذا المعنى كثيرة"[4].

فإحياء مثل هذه السنَّة والأمر كذلك - ولا شك - أمرٌ مُهمٌّ، يَنبغي مراعاته، والاهتمام به، بل هو - ولما يَحمله مِن الأمور المهمة، كما سنرى - أولى من أمور أخرى بكثير وكثير جدًّا.

فالواجب إذًا على أئمة المسلمين - بعد قيام الناس - أن يَعتنوا بهذا، ويُبيِّنوه للناس، وأن يأمروهم بتسوية الصفوف وإكمالها، وسد الفُرَج، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم، ولما ثبت في ذلك من الأحاديث والآثار الكثيرة - والتي سيأتي في رسالتنا هذه بعضها - وأن يقتدوا بما فعله خلفاؤه وسلفُنا رضي الله عنهم أجمعين مِن بعده، حتى إذا ما رأى أحدهم أن الصفوف استوتْ كبَّر.
 
الأحاديث الواردة في تسوية الصف:
ولذلك وحرصًا مني على هذه السُّنَّة، عزمتُ - بعون من الله - عز وجل وتوفيقه على إخراج هذه الرسالة، وأن أجمع فيها - قدر ما يُمكنني - مما جاء فيها من الأحاديث والآثار والأقوال التي تبيِّن هذه السُّنَّة، وتوضِّحها وتؤكِّدها.
 
الأمر بتسوية الصف:
عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((سوُّوا صُفوفكم؛ فإنَّ تسوية الصف من إقامة[5] الصلاة[6])) [7].
 
بيان معنى تسوية الصف:
والمراد بتسوية الصفوف - كما قال جملة من علمائنا رحمهم الله:وقوف المأمومين في محاذاة بعضهم لبعض، لا يكون فيها تقدُّم لأحدٍ على أحد، ولا تآخر لأحدٍ على أحد، بل يقف الجميع مصطفين؛ بحيث إن كل واحد منهم مصافٌّ للآخر، وبهذا تكون تسوية الصفوف.

على أن بعض أهل العلم يرى - وهو الصواب فيما أرى - أن تسويةَ الصفوف أمر زائد على هذا، يقول ابن دقيق العيد: "تسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها على سمتٍ واحد، وقد تدلُّ تسويتُها - أيضًا - على سد الفُرَج فيها؛ بناءً على التسوية المعنوية، والاتفاق على أن تسويتها بالمعنى الأول والثاني أمر مطلوب، وإن كان الأظهر أن المراد بالحديث الأول"[8]، ويأتي مزيد بيان وتقرير لهذا لاحقًا.
 
ومما يتعلق بتسوية الصفوف:
أقول: كما أنَّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((سوُّوا صفوفكم)) يتعلَّق به جملة من الأمور الأخرى والمهمة، والتي يُمكن تلخيصها في التالي:
أولاً: أنَّ هذا الاستواء يكون عند الشروع في الصلاة؛ أي: قبلها، ولا بدَّ أن يستمر معها إلى نهايتها.
ثانيًا: أنَّ تسوية الصفوف تكون بالقول؛ كما في هذا الحديث، وتكون بالفعل؛ كما سنرى فيما سيأتي معنا.

ثالثًا: أنَّ مسألة تسوية الصفوف ليست خاصة بالإمام فحسب، وإن كان يقع على عاتقه كثير منها، بل هي أعم من ذلك؛ فهي مسؤولية مشتركة بين أطراف عديدة كما سنرى من الأدلة، ولذلك يقول بعض أهل العلم: إنَّ تسوية الصفوف يَشترك فيها:
• الإمام؛ إذ يقع على عاتقه جانب كبير منها، وتقع عليه مسؤولية الاهتمام بذلك، وتنفيذه والإلزام به قولاً وفعلاً.

• والمأمومون؛ وتقع عليهم مسؤولية التسوية، فينبغي عليهم بذل جهد كبير في سبيل تحقيق التسوية المطلوبة، والمأمور بها في النصوص، كما تقع مسؤولية أخرى على المسبوق في الصلاة.

• والعلماء والدعاة وطلبة العلم؛ عليهم نشر هذه السُّنَّة وبيانها، وتوعية الناس بأهميتها، وما يتعلق بها - وجودًا وعدمًا.
 
وأمر آخر مما يتعلَّق بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((سوُّوا صفوفكم)): يقول القرطبي: "وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((استووا)): أمر بتسوية الصفوف"[9]، أقول وبالتالي: ومِن هنا قال الشوكاني رحمه الله: "فيه أن تسوية الصفوف واجبة"[10]، وسوف يأتي معنا جملة أخرى من صيغ الأمر لهذه السُّنَّة، والكلام عليها لاحقًا.
 
 
بيان معنى أن تسوية الصف من إقامة الصلاة:
قال صاحب "النهاية في غريب الحديث والأثر"[11] في بيان معنى ((إقامة الصلاة)): "أي: من تمامها وكمالها"، وقيل: "من تَمامها ومُكمِّلاتها"[12].
 
ويقول النووي رحمه الله: إن معنى ((من إقامة الصلاة)): "مِن إقامة الصلاة التي أمَرَ اللهُ تعالى بها في قوله - تعالى - :﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة: 43]"[13].
 
قال ابن رجب رحمه الله: "وفي حديث أنسرضي الله عنه أنَّ تسوية الصفوف من إقامة الصلاة، والمراد بإقامتها: الإتيان بها على وجه الكمال، ولم يذكر في القرآن سوى إقامة الصلاة، والمراد: الإتيان بها قائمة على وجهِها الكامل، وقد صرَّح في هذا الحديث بأن تسوية الصفوف من جملة إقامتها، فإذا لم تسوَّ الصفوف في الصلاة نقَص من إقامتها بحسب ذلك - أيضًا - والله أعلم"[14].
 
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: ((استووا، استووا، استووا؛ فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي[15]، كما أراكم بين يدي))[16].
 
فائدة:
يحصل الغلط في هذا اللفظ ((استووا)) من جهتين[17]:
الأُولى: فتح الواو، فيكون إخبارًا، وحقُّه الضم؛ ليكون أمرًا للمصلين بتسوية صفوفهم للصلاة.
والثانية: اقتصار بعض الأئمة على هذا اللفظ في تسوية الصف، دون تحقيق المراد من استواء الصف بما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعله، ويُؤكد عليه، ويهْدِيْ إليه.
 
الإنكار على المفرطين في تسوية الصفوف:
 
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قدم المدينة، فقيل لهُ: ما أنكرتَ مِنا منذ يوم عهدت رسول الله؟! قال: "ما أنكرتُ شيئًا، إلا أنكم لا تُقيمون الصفوف"[18].
 
وهنا لا بد من جملة من الوقفات مع هذا الأثر:
الوقفة الأولى: قال ابن رجب رحمه الله: "وفي هذا الحديث دليل على أنَّ تسوية الصفوف كانَ معروفًا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنَّ الناس غيَّروا ذلك بعده"[19].
 
الوقفة الثانية: يقول الحافظ رحمه الله: "وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبهذا يتمُّ الاحتِجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته"[20].

الوقفة الثالثة: وفيه أيضًا أنه كما يستحقُّ مَن يعمل ويسهم في تسوية الصفوف الثناء والأجر؛ فإن تارك ذلك كذلك يستحقُّ الذمَّ والعتب[21].
 
الوقفة الرابعة: ذكَر الحافظ - أيضًا - أن هذا القول من أنس رضي الله عنه كان بالمَدينة، وهذا يدلُّ على أن أهل المدينة كانوا في ذلك الزمان أمثل مِن غيرهم في التمسُّك بالسنن.
 
الوقفة الخامسة: أقول: وأمر آخر: وهو أنَّ البخاري بوَّب له: باب إثم مَن لم يُتمَّ الصُّفوف؛ فكأنه يرى أن تسوية الصفوف واجبة[22]، وكذا وجه مطابقة هذا الأثر لتبويب البخاري؛ حيث إن أنسًا رضي الله عنه حصَل منه الإنكار على عدم إقامتهم الصفوف، وإنكاره هذا يدل على أنه يرى تسوية الصفوف واجبة، فتارك الواجب آثم[23]، والله أعلم.

وقد قال الحافظ رحمه الله: "يُحتمل أن يكون البخاري أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((سوُّوا صُفوفكم))، ومِن عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلَّم: ((صلُّوا كما رأيتُموني أُصلِّي))[24]، ومِن ورود الوعيد على تَركِه؛ فرجَح عنده بهذه القرائن أنَّ إنكار أنس إنما وقع على ترَك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على تَرك السُّنن، ومع القول بأنَّ التسوية واجبة؛ فصلاة مَن خالف ولم يسوِّ صَحيحة[25] لاختلاف الجهتين"[26].
 
تسوية الصفوف وإقامتُها توجب تآلف القلوب:
ولقد رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "استَووا تَستوِ قلوبُكم، وتماسُّوا[27] تراحَموا "[28]، وهذا كما نرى يوضِّح لنا ضرورة الحرص على تسوية الصفوف، والاهتمام بهذه السُّنَّة؛ لأنها تعد من أهم الأسباب في التأثير على القلوب - سلبًا وإيجابًا - ولذلك قُلنا سابقًا: إن العناية بهذه السُّنَّة من الأهمية بمكان.
 
ولقد وردت جملة من النصوص تدلُّ على أن الإعراض عن تسوية الصفوف أو إهمالها؛ سبب لاختلاف القلوب، وتنافرها وتبيانها، وهذا كما لا يخفى فيه وعيد شديد على ذلك - كما سنرى - ومن تلك النصوص:
 
• حديثُ أبي مسعود رضي الله عنه قال: ((ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: ((استَووا ولا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم[29]، ليَليَني منكم أولو الأحلام والنُّهى[30]، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا[31].
 
• وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتخلَّل الصفَّ مِن ناحية إلى ناحية يَمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول: ((لا تَختلفوا فتختلف قلوبكم))[32].
 
وقد قال شيخنا مقبل الوادعي رحمه الله أن من فوائد هذا الحديث:
إن الإمام يُسوِّي الصفوف، فبوَّب عليه: الإمام يسوي الصفوف[33]، وهذا يؤكد ما كنا أشرنا إليه سابقًا.

وإن في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تَختلِفوا فتختلف قلوبكم)) وعيد، فبوَّب عليه شيخنا: باب الوعيد على عدم تسوية الصفوف[34].
 
وعن النُّعمان بن بشير رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لتسون صفوفكم[35] أو ليُخالفن الله بين وجوهكم[36]))[37]، زاد البيهقي[38]: ((يوم القيامة)).

وفي رواية مسلم: عن النعمان بن بشير[39]رضي الله عنه يقول: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسوِّي صُفوفنا، حتى كأنما يُسوِّي بها القداح[40]، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه[41]، ثم خرَج يومًا فقام حتى كاد يكبر، فرأى رجلاً باديًا صدرُه من الصف، فقال: عباد الله، لتسونَّ صُفوفَكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم)).
 
وفي لفظ لأبي داوود[42]وغيره[43]: أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الناس بوجهه فقال: ((أقيموا صفوفكم)) ثلاثًا، ((والله لتقيمنَّ صُفوفكم، أو ليخالفنَّ الله بين قلوبكم))[44]، قال[45]: "فرأيتُ الرجلَ يلزق منكبَه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه[46]"[47]، وفي رواية[48]: "فإذا استَوينا كبَّر".
 
قال العراقي رحمه الله: "فهاتان الروايتان دالَّتان بمجموعهما على أنه يدخل في إقامة الصف استواء القائمين به، وانضمام بعضهم لبعض"[49].
 
وقال الشوكاني رحمه الله: "ولا شكَّ ولا ريب أن هذا الاعتزال عن الجماعة الكبرى قبل قيامها، له مدخل في التأثير في اختلاف القلوب، وإيغار الصدور، والمواحشة بين المسلمين، زيادة على ما في تلك المخالفة المذكورة في الحديث"[50].
 
وهذه الأحاديث معناها وبالجُملة: إنَّ الأمر بتسوية الصفوف، لا يَخرُج - وهذا مُقتَضى الواقع - المتلقِّي له من أحد أمرين[51]:
الأول: إما التسوية، فتكون هنا الموافَقة والامتثال.
والثاني: عدم التسوية، وهو هنا المخالفة، والتي يترتب عليها حينئذ الوعيد.
 
وفي هذه الأحاديث حقيقةً جملةٌ من الفوائد، يحسن بنا سردها، ومنها:
1- وجوب تعديل الصفوف وتسويتها، وحرمة مخالفة ذلك؛ للوعيد الشديد.

2- شدَّة اهتمامه صلى الله عليه وآله وسلم بإقامة الصفوف؛ فقد كان يتولى تعديلها بيده الكريمة - وسيأتي معنا ذكر قصة سواد - وهذا يدل على أهمية ذلك من جهة، وعلى أن تسوية الصفوف من مسؤولية الإمام من جهة أخرى - وقد سبق الإشارة إلى شيء من هذا - قال ابن دقيق العيد رحمه الله: "في الحديث دليل على أن تسوية الصفوف من وظيفة الإمام، وقد كان بعض أئمة السلف يوكِّل بالناس مَن يُسوِّي صفوفهم"[52]، وقال في إعانة الطالبين[53]: "ويتأكد الاعتناء بذلك، والأمر به من الأئمة، فهم به أولى من غيرهم من المسلمين؛ فإنهم أعوان على البر والتقوى، وبذلك أمروا؛ قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2]".

3- إن الجزاء من جنس العمل، فقد توعد بمخالفة وجوههم، مقابل مخالفة صفوفهم.

4- غضب النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم على اختلاف الصف، فيَقتضي الحذر من ذلك.

5- جواز كلام الإمام فيما بين الإقامة والصلاة؛ لما يعرض من الحاجة.

6- تسوية الصفوف وعكسها كل منهما يؤثِّر في القلب صلاحًا أو فسادًا.

7- الاتحاد في الاتجاه يُساعد على اتحاد القلوب.

8- دليل على سد الذرائع، وإعمال لقاعدتها؛ قال ابن القيم رحمه الله: "اجتِماعُ القلوب وتآلُفُ الكلمة مِن أعظم مقاصد الشرع، وقد سدَّ الذريعة إلى ما يُناقِضه بكل طريق حتى في تسوية الصفِّ في الصلاة؛ لئلا تَختلف القلوب، وشواهد ذلك أكثر من أن تُذكَر"[54].

9- أنَّ عدم العمل - أو التقصير - في تسوية الصفوف مِن الكبائر؛ وذلك للوعيد الشديد، والوعيد لا يكون إلا في كبيرة من الكبائر[55].

10- أن تسوية الصفوف تكون بتسويتها بالمناكب وبالأقدام، ويؤكِّد هذا ما تقدَّم في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه من توصيف التطبيق العمَليِّ لها، وكذا حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أقيموا صفوفكم؛ فإني أراكم مِن وراء ظَهري، وكان أحدُنا يَلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه))[56]، وفي رواية[57]: "ولو ذهبتَ تفعَلُ ذلك اليوم لترى أحدهم كأنه بغْل شَموس[58]"[59]، ولذلك فقد ترجَمَ البُخاريُّ لهذا الحديث بقوله: باب إلزاق المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم في الصف.

11- أنَّ صورة هذا الإلزاق - والمتعلق بتسوية الصفوف - هو المحاذاة والمقابلة ليس إلا؛ بحيث لا يكون بعضها متقدمًا وبعضها متأخرًا، وهذا هو المراد - قطعًا - وليس المراد حقيقة الإلزاق[60]، ويؤكِّد هذا رواية: ((حاذوا بين المناكب))، وستأتي معنا.

12- أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقوِّم الصفوف ويُعدِّلها قبل الصلاة كما يقوِّم السهم.

13- أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يكبِّر للصلاة حتَّى تستوي الصفوف؛ بدليل قولهم: "فإذا استَوينا كبَّر"، فهي جملة شرطية - كما نرى - وهي صريحة في ما ذكرنا، والله أعلم.

14- أن الكعب: هو العظم الناتئ في أثر الساق ومؤخر القدم؛ كما قال أهل المدينة؛ لأنه لو كان الكعب في مقدم القدم كما قال أهل الكوفة لما تمكَّن أن يلزق أحدهم كعبه بكعب صاحبه، وهذا يدل على أن الكعبين اللذين جعلهما الله - عز وجل - غاية في غسل القدمين هما المذكوران في حديث: النعمان بن بشير رضي الله عنه وأنس رضي الله عنه.

15- حرص الصحابة رضي الله عنهم أجمعين على امتثال الأوامر من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من جهة، وعلى تطبيقها بحذافيرها من جهة أخرى.
 
الآثار عن الخلفاء والسلف:
ولقد "كانت تسوية الصفوف سنَّة معهودة عند الصحابة رضي الله عنهم"[61]، وعند غيرهم من سلفنا الصالح رحمهم الله.

قال الترمذيُّ رحمه الله: "رُوي عن عمر رضي الله عنه: أنه كان يوكِّل رجالاً بإقامة الصفوف، فلا يكبِّر حتى يُخبَر أن الصفوف قد استوت، ورَوى عن علي وعثمان رضي الله عنهما: أنَّهما كانا يتعاهَدان ذلك، ويقولان: استووا، وكان عليٌّ يقول: تقدَّم يا فلان، تأخر يا فلان"[62].

وعن عمرو بن ميمون رحمه الله: "وإني لقائم ما بيني وبينه - يعني: عمر بن الخطاب رضي الله عنه - إلا عبدالله بن عباس رضي الله عنه غداة أصيبَ، وكان إذا مرَّ بين الصفَّين قام بينهما، فإذا رأى خللاً قال: استووا؛ حتى إذا لم يرَ فيهم خللاً تقدَّم فكبَّر"[63].
 
وعن نافعٍ أنَّ عُمر بن الخطاب رضي الله عنه: "كان يأمُر بتسوية الصفوف، فإذا جاؤوه فأخبَروه أن قد استوتْ كبَّرَ"[64].
 
وعن أبي سُهيل بن مالك، عن أبيه أنه قال: "كنتُ مع عُثمانَ بن عفان رضي الله عنه فقامت الصلاة وأنا أكلِّمه في أن يَفرض لي، فلم أزل أُكلِّمه وهو يسوِّي الحصباء بنعلَيه، حتى جاءه رجال قد كان وكَّلهم بتسوية الصفوف فأخبروه أن الصفوف قد استوت، فقال لي: استوِ في الصف، ثمَّ كبَّر"[65].
 
وجوبُ تَسوية الصُّفوف[66]:
فلا يشكُّ بعد كل هذه الأحاديث والآثار أحد أن تسوية الصفوف مِن سُنن الصلاة التي اعتنى بها الشرع؛ ولذلك فإن جماهير العلماء رحمهم الله على أنه يستحبُّ تسويةُ الصفوف في صلاة الجماعة، "وإنه ينبغي للإمام تعاهد ذلك من الناس، ويَنبغي للناس تعاهُد ذلكَ مِن أنفسهم"[67]، وقد تقدَّم معَنا أن تسوية الصفوف مسؤولية يشترك الجميع فيها.
 
قال الشوكاني رحمه الله: "لا شكَّ أن تسوية الصفِّ والتراصَّ وإلْزاق الكعاب بالكعاب سُنَّة ثابتة، وشريعة مستقرَّة"[68]، وقد حكى الإجماع على سنيتها، القرطبي فقال: "وهو من سنن الصلاة بلا خلاف"[69].

على أنه قد قال بعضُهم: إنهم وإن كانوا قد أجمعوا على مشروعية تسوية الصفوف، ولكنهم اختلفوا في وجه هذه المشروعية، والحقُّ أنه تشريع إيجاب[70]، ومِن هنا قال بعض المُحقِّقين من العلماء رحمهم الله بوجوب تسوية الصفوف في الصلاة[71]، لأمور - تقدَّم معنا الإشارة إلى شيء منها - منها:
أولاً: إنَّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم المتقدِّم: ((لتسونَّ صفوفَكم، أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم))، وفي رواية: ((قلوبكم)): فيه وعيد شديد، لا يمكن أن يكون لترك سنة.

قال العُثيمينُ رحمه الله: "هذا وعيد، ولا وعيد إلا على فعل محرَّم أو ترك واجب، والقول بوجوب تسوية الصفوف قول قويٌّ"، ولذلك ترجم البخاري رحمه الله على ذلك بقوله: باب إثم مَن لم يُتمَّ الصفوف"[72].

وثانيًا: لأمره صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، وأمره صلى الله عليه وآله وسلم للوجوب ما لم يصرفه صارف، ولا صارف هنا.

يقول السندي رحمه الله: "قد يقال: إنَّ الحديث يدلُّ على أن ترك إقامة الصفوف خلاف ما كان عليه أمر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والأصل فيه هو التأثيم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ [النور: 63] إلا ما دلَّ الدليل على خلافه، وهذا مبني على أن الأمر في الآية مطلق"[73].
 
ومِن تلك الأوامر الواردة في هذا:
• عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((سوُّوا صفوفكم..))[74].
• وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((رُصُّوا صفوفكم...))[75].
• وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((..أقيموا صُفوفكم...))[76].
 
ثالثًا: إنَّ قوله: ((مِن إقامة الصلاة))[77] دليل على وجوب التسوية؛ لأنَّ إقامة الصلاة واجبة، وكل شيء من الواجب واجب، وقد استدل بهذا ابن حزم[78]، قال الحافظ: "ولا يَخفى ما فيه، ولا سيما وقد بينَّا أنَّ الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة".
 
رابعًا: مما استدلُّوا به على الوجوب: ما رُوي عن عمر رضي الله عنه[79]: "أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف"، وبما روي عن سويد بن غفلة[80] قال: "كان بلالٌ يسوِّي مَناكبَنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة"، ووجهُه: أنه ما كان عمر وبلال رضي الله عنهما يضربان أحدًا على ترك غير الواجب، قال الحافظ[81]:"وفيه نظر؛ لجواز أنهما كانا يرَيان التَّعزير على ترْك السُّنَّة".
 
تنبيه:
قال ابن حجر رحمه الله: ومع القَول بأنَّ تسوية الصفِّ واجبة فصَلاة مَن خالَفَ ولم يسوِّ صحيحة[82]، ويؤيد ذلك أن أنسًا مع إنكاره عليهم، لم يأمرهم بإعادة الصلاة"[83].

ويؤكِّد هذا العلامة العثيمين رحمه الله فيقول[84] بأن: "احتِمال عدم البُطلان مع الإثم أقوى؛ لأنَّ التسويَةَ واجبة للصلاة لا واجبة فيها؛ يَعني: أنَّها خارج عن هيئتها، والواجب للصلاة يأثم الإنسان بتركه، ولا تَبطل الصلاة به؛ كالأذان مثلاً، فإنه واجب للصلاة، ولا تبطل الصلاة بتركه".

بل لقد حكى ابنُ رجب رحمه الله الإجماع في ذلك فقال: "ولا خلاف أنَّهُ لا يُبطِل تركه عمدًا ولا سهوًا"[85].
 
قصة سواد:
وتأكيدًا لما سبَق أسوقُ للفائدة قصة تبيِّن حرص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على تسوية الصفوف، ومدى غضبه من المخالفة لذلك، وهي تَحمل جملةً من الفوائد الأخرى، لكن ليس هذا محلَّ ذِكرها.
 
يقول ابنُ إسحاق: حدثني حبَّان بن واسع بن حبان، عن أشياخ من قومه[86]؛ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عدَّل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يُعدِّل به القوم، فمرَّ بسواد بن غزية - حليف بني عدي بن النجار - وهو مُستنتل[87] من الصفِّ، فطعنه في بطنه بالقدح، وقال: ((استوِ يا سواد))، فقال: يا رسول الله، أوجعتَني، وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأَقِدْني، قال: فكشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بطنه، وقال: ((استقد))، قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسولَ الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك: أن يمسَّ جلدي جلدُك! فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخير، وقال له: ((استوِ يا سواد))[88].
 
إتمام الصفوف وتراصُّها:
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: خرَج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمسٍ؟ اسكُنوا في الصلاة، قال: ثم خرَج علينا فرآنا حلقًا، فقال: ما لي أراكم عزين؟ قال: ثم خرَج علينا، فقال: ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصفُّ الملائكة عند ربها؟ قال: يُتمُّون الصفوف الأول، ويتراصُّون في الصف))[89].
 
وعن أبي شجرة مرفوعًا: ((أقيموا الصفوف؛ فإنما تصفُّون كصفوف الملائكة، حاذوا بين المناكب[90]، وسدوا الخلل، ولا تذروا فرجات الشيطان، ومَن وصَل صفًّا وصله الله))[91].
 
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ويتراصُّون في الصفِّ))؛ أي: يتلاصَقون حتى لا يكون بينهم فُرَجٌ، من رص البناء إذا ألصق بعضه ببعض"[92].

قال العراقي رحمه الله: "هذا أيضًا من خصائص هذه الأمة، وكانت الأمم المتقدِّمة يصلون مُنفرِدين كل واحد على حِدَة، ولما أراد الله تعالى حصول هذه الفضيلة للأنبياء المتقدِّمين جمعهم"[93].

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "المشروع في المسجد أنَّ الناس يُتمُّون الصف الأول"[94].

قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وهذا مُوافق لقوله تعالى: ﴿ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ﴾ [الصافات: 1 - 3][95].
 
وقال ابن جزي الكلبي رحمه الله في تفسير قوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ﴾ [الصافات: 165]: "أي: الواقفون في العبادة صفوفًا؛ ولذلك أُمرَ المسلمون بتسوية الصفوف في صلاتهم؛ ليقتدوا بالملائكة، وليس أحد من أهل المِلَل يُصلُّون صفوفًا إلا المسلمون"[96].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((رُصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق؛ فوالذي نفسي بيده؛ إني لأرى الشيطان يَدخل من خَلَلِ الصفِّ كأنها الحَذَفُ[97]))[98].
 
ومِن لازم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((رُصُّوا صفوفكم))، سد الفُرَج؛ لأنها إنما تكون من عدم رصهم الصفوف[99]، وسيأتي الكلام على سد الفُرَج.

إقامة الصفوف:
وعنِ ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكبِ، وسُدُّوا الخَلَلَ، ولِينُوا بأيدي إخوانكمِ[100]، ولا تَذَرُوا فُرُجات للشيطان[101]، ومن وصَلَ صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله[102]))[103].
 
وعنِ أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أقيموا الصفَّ في الصلاة؛ فإنَّ إقامة الصف من حسن الصلاة[104]))[105]، وقد بوَّب له البخاري رحمه الله: باب إقامة الصف مِن تمام الصَّلاة، قال ابن رشيد[106]: إنما قال البخاري في الترجمة: مِن تمام الصلاة، ولفظ الحديث: ((مِن حُسنِ الصَّلاة))؛ لأنه أراد أن يبيِّن أنه المراد بالحسن هنا، وأنه لا يعني به الظاهر المرئي من الترتيب، بل المقصود منه الحُسْن الحُكمي.

وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنَّ مِن حسن الصلاة إقامة الصف))[107].

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما – مرفوعًا -: ((إنَّ مِن تمام الصلاة إقامة الصف))[108].
 
قال العراقيُّ رحمه الله: "ذكَرَ العلماءُ في معنى إقامة الصفِّ أمورًا:
أحدها: حصول الاستقامة والاعتدال ظاهرًا، كما هو المطلوب باطنًا.
ثانيها: لئلا يتخلَّلهم الشيطان فيفسد صلاتهم بالوسوسة كما جاء في ذلك الحديث[109].
ثالثها: ما في ذلك من حسن الهيئة.
رابعها: أنَّ في ذلك تمكُّنهم من صلاتهم مع كثرة جَمعِهم؛ فإذا تراصُّوا وسع جميعَهم المسجدُ، وإذا لم يفعلوا ذلك ضاقَ عنهم.
خامسها: ألا يشغل بعضهما بعضًا بالنظر إلى ما يشغله منه إذا كانوا مختلفين، وإذا اصطفُّوا غابت وجوه بعضهم عن بعض وكثير مِن حركاتهم، وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم"[110].
 
تعديل الصفوف وتراصها:
عن أنس رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُقبِل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: تراصوا واعتدلوا؛ فإني أراكم من وراء ظهري))[111].

وعن محمد بن مسلم بن السائب - صاحب المقصورة - قال: صلَّيت إلى جنب أنس بن مالك رضي الله عنه يومًا، فقال: هل تَدري لم صُنع هذا العُودُ؟ فقلتُ: لا والله! قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضَع عليه يدَه، فيقول: استووا، واعْدِلُوا صفوفكم))[112].

قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((وأعْدِلُوا)) - بفتح الهمزة - من أعْدل يُعدِل بمعنى عَدِّلُوا[113].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أُقيمت الصلاة، وعدِّلت الصفوف قيامًا [وفي رواية[114]: فسوَّى الناس صفوفهم]، فخرَج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم، فلمَّا قام في مُصلاه - ذكَرَ أنَّه جنُبٌ - فقال لنا: ((مكانكم))، ثم رجَع فاغتسَلَ، ثم خرَجَ إلينا ورأسه يقطر، فكبَّر فصلَّينا معه))[115].
 
والتراصُّ[116]: هوَ التضامُّ والتداني والتلاصُق، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ [الصف: 4].
 
صلِّ صلاة مودِّع:
ولا بأس مِن أن يقول الإمام - أحيانًا - للمأمومين حال تعديل الصفوف ومراصاتها: "صلوا صلاة مودِّع"؛ لحديث: أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: عِظني وأَوجِز، فقال: ((إذا قمتَ في صلاتك فصلِّ صلاة مودِّع، ولا تكلَّم بكلام تَعتذر منه غدًا، واجمع الإياس مما في أيدي الناس))[117].

قال الألباني رحمه الله: "(تنبيه): لقد اعتاد بعض الأئمة أن يأمُروا المصلين عند اصطفافهم للصلاة ببعض ما جاء في هذا الحديث كقوله: ((صلوا صلاة مودِّع))، فأرى أنه لا بأس في ذلك أحيانًا، وأما اتخاذه عادة فمحدثة وبدعة"[118].
 
إتمام الصفِّ الأول فالأول، وإكمالُ الصُّفوف:
لقد حثَّ الشارع الحكيم على الصُّفوف الأُوَل في غيرِ ما حديث ومنها:
عن عبدِالرحمن بنِ عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنَّ الله وملائكته يُصلُّون على الصفِّ الأول))[119].

ولذلك، فإن من تسوية الصفوف إكمال الصف الأول فالأول، فلا يشرع أحد بحال في إنشاء الصفِّ الثاني إلا بعد كمال الأول وتمامه، وهكذا دوالَيك، كما دلَّت الأدلة، ومنها:
• عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنَّ الله وملائكته يُصلُّون[120] على الذين يَصِلُون الصُّفوف[121]))[122].
 
وعن أنس بن مالكٍ رضيَ الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أتمُّوا الصفَّ المقدَّم، ثمَّ الذى يَليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخَّر))[123].
 
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "كنا نقوم في الصفوف على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طويلاً قبل أن يُكبِّر"، قال: وقال: ((إنَّ الله وملائكته يُصلُّون على الذين يَلُونَ الصُّفوفَ الأُوَل، وما من خطوة أحب إلى الله من خطوة يمشيها يَصِلُ بها صفًّا))[124].

وتقدَّم معنا في حديث ابن عمر رضي الله عنه: ((... ومَن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطَعَه الله)).
 
وفي حديث جابر رضي الله عنه في صِفَة صفوف الملائكة: ((... يُتمُّون الصفوف الأُوَل)).
 
قال شيخُ الإسلام رحمه الله: "ليس لأحدٍ أن يسدَّ الصفوف المؤخَّرة مع خلوِّ المقدَّمة، ولا يصفَّ في الطرقات والحوانيت مع خلوِّ المسجد، ومن فعل ذلك استحق التأديب، ولمن جاء بعده تخطِّيه ويَدخل لتكميل الصفوف المقدمة؛ فإن هذا لا حرمة له"[125].
 
ولا شكَّ أن هذه الأحاديث كما تدل على فضل الصفوف الأول؛ فهي تدلُّ - أيضًا - على إتمامها وإكمالها، كما هو بين ظاهِر.
 
سد الفُرَج أو الخَلَلِ في الصفوف:
ومن تسوية الصفوف: سد الفُرَج أو الخَلَلِ في الصفوف، ولقد ورد في سدِّ الفُرَج في الصفوف جملة من الأحاديث[126]؛ ومنها:

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إياي والفُرَج))؛ يعني: في الصلاة[127].
 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((وسِّطوا الإمامَ، وسدُّوا الخلل))[128].
 
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((سوُّوا صفوفكم، وحاذُوا بين مناكبكم، ولِينوا في أيدي إخوانكم، وسدُّوا الخلل؛ فإن الشيطان يدخل فيما بينكم بمنزلة الحذف))[129].
 
عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((خياركم ألْيَنُكم مَناكِبَ في الصلاة[130]، وما من خطوة أعظم أجرًا من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصفِّ فسدَّها))[131].
 
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنَّ الله وملائكته يُصلُّون على الذين يَصِلون الصفوف، ومن سدَّ فرجة رفعه الله بها درجة))[132].
 
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مَن سدَّ فرجةً بنى الله له بيتًا في الجنة، ورفعه بها درجة))[133].
 
عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: ((خياركم أليَنُكم مناكبَ في الصلاة، وما من خطوة أعظم أجرًا من خطوة مشاها رجل إلى فُرجة في الصفِّ فسدها))[134].
 
عن خيثمة قال: صليتُ إلى جنبِ ابن عمر رضي الله عنهما فرأى في الصف فرجةً فأوَمَأ إليَّ فلم أتقدَّم، قال: فتقدَّم هو فسدَّها[135].
 
وتقدم معنا حديث ابن عمر رضي الله عنهما - وفيه: ((وسُدُّوا الخَلَلَ)).

ومن كلِّ هذه الأحاديث وغيرها رأى بعض أهل العلم رحمهم الله أنَّ سد الفُرجة واجب؛ يقول ابن عمر رضي الله عنه: "لأن تخرَّ ثنيتاي أحبُّ إليَّ مِن أن أرى خللاً في الصفِّ فلا أسدَّه"، قال ابن حزم رحمه الله: "هذا لا يُتمنَّى في ترك مباح أصلاً"[136]، وقال الألبانيرحمه الله: "الراجِح أن سدَّ الفُرجة واجب ما أمكَنَ"[137].
 
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وقد أمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بتسوية الصفوف، ورصها، وسد الفُرَج، وتكميل الأول فالأول، وأن يتوسَّط الإمام، وتقاربها - يعني: الصفوف - خمس سنن"[138].
 
ومن المسائل المتعلقة بما نحن بصدده:
الصلاة بين السواري[139]:
عن عبدالحميد بن محمود رحمه الله قال: صَلَّيْتُ مع أنس بن مالك رضي الله عنه يوم الجمعة، فدُفعنا إلى السواري، فتقدَّمنا وتأخرنا، فقال أنس رضي الله عنه: كنا نتَّقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[140].

وقد بوَّب عليه شيخنا مقبل رحمه الله في الجامع الصحيح: باب كراهية الصفوف بين السواري لغير ضرورة.
 
وعن مُعاوية بن قرَّة، عن أبيه رضي الله عنه قال: "كنا نُنهى أن نصفَّ بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونطرد عنها طردًا"[141].
 
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "إياكم وما بين السواري"[142].
 
ويُكرَه وقوف المأمومين بين السواري؛ لأن ذلك يقطَع اتصال الصفوف[143]، ويمنع ما أُمرنا به من إتمامها، كما أن تسويةَ الصُّفوف وتراصها مطلوب لمصلحة الصلاة، ومع ذلك فإن احتيج لذلك؛ لضيق المسجد، والزحام، ونحوِهما، مما تدعو له الحاجة جازَ، وإلا فلا.

من خصائص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم[144]:
عن أنس رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أقيموا الصفوف؛ فإني أراكم خلف ظهري[145]))[146].
 
وعن أنس رضي الله عنه قال: أقيمتِ الصَّلاة فأقبل علينا[147] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوجهه فقال: أ((قيموا صفوفكم وتراصُّوا؛ فإني أراكم من وراء ظهري))[148].

وفي هذه الأحاديث - وكذا ما تقدم منها - كما قال الألباني رحمه الله وغيره: "مُعجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وهي رؤيته صلى الله عليه وآله وسلم من ورائه، ولكن ينبغي أن يعلم أنها خاصة في حالة كونه صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة؛ إذ لم يَرِد في شيء من السُّنَّة أنه كان يرى كذلك خارج الصلاة - أيضًا - والله أعلم"[149].
 
كما أن فيها في المقابل: أنه يَنبغي لكل إمام - خلا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - أن ينظر لمَن وراءه؛ لتخلُّف هذه الخصيصة عنه.
 
تنبيه:
مِن السنن المهجورة - أيضًا - والمجهولة في تسوية الصفوف: الدعاء، والاستغفار للصف المتقدِّم ثلاثًا، ثم مَن يليه مرتين؛ فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كان يستغفر للصف المقدَّم ثلاثًا، وللثاني مرَّةً"[150].
 
والخلاصة:
كنا قد قلنا: إن بعض أهل العلم رحمهم الله يرى - وهو الصَّواب فيما أرى - أن تسوية الصفوف أمر زائد على ما قاله البعض[151] مِن أنه اعتدال القائمين بها على سمت واحد؛ ذلك أنه وإن كان يحمله المعنى، إلا أنه من حيث التطبيق العملي أعم من ذلك بكثير؛ يقول العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد رحمه الله: ومن هنا يتبيَّن أن هذه التسوية لا يمكن أن تتأتَّى على وجهها المراد أو المطلوب، إلا بجملة من الأمور والسنن، فيَنبغي مراعاتها، ومن هنا ومن خلال - ما تقدم - فتسوية الصفوف تشمل عِدَّة أمور[152]:
1- استقامة الصف، وإِقامته، وتعديله؛ بحيث لا يتقدَّم صدر أَحد ولا شيء منه على مَن هو بجَنبه، فلا يكون فيه عِوَج، ومن ألفاظ التسوية للصف: "استووا"، "اعتدلوا"، "أَقيموا الصف".

2- المُحاذاة؛ وهي التي تضبط استقامة الصف، فالأَمر بالمحاذاة بين الأَعناق والمناكب والرُّكَب والأَكعُب، وظاهرٌ من هديه صلى الله عليه وآله وسلم تناوب هذه الأَلفاظ.

3- سَدُّ الفُرَج والخَلَلِ؛ بحيث لا يكون في الصفوف فُرَج، ومِن الأَلفاظ الواردة - كما تقدم - : ((سُدُّوا الخلل))، ((لا تذروا فرجات للشيطان)).

4- التراصُّ في الصف؛ ((تراصُّوا))، وبه نستطيع ضبط سنة سدِّ الفُرَج بالتراصِّ.

5- ومما يعين على ذلك تجنُّب الصلاة بين السواري.

6- وصْل الصف الأَول فالأَول وإِتمامه، ومن الأَلفاظ الواردة - كما تقدم - : ((أَتموا الصف الأَول فالأَول))، ((من وصل صفًا وصَلَه الله، ومَن قطَعَ صفًّا قطَعَه الله)).

7- التقاربُ فيما بينها، ودنوُّ الرِّجال بعضهم من بعض، قال الإمام أحمد: "فتسوية الصُّفوف، ودنوُّ الرِّجال بعضهم من بعض، من تمام الصَّلاة، وترك ذلك نقصٌ في الصَّلاة"[153].

8- الاستعانة بإرسال جملة من الرجال لتسوية الصفوف.

9- أن يدنو الإنسان من الإمام؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليَلِني منكم أولو الأحلام والنهى))[154].

10- وبين ذلك ومعه جملة من السُنَن - وهي من السنن المهجورة - : مثل الدعاء، والاستغفار للصف المتقدِّم ثلاثًا، ثم من يليه مرتين.
 
وكل هذا - وثمت أمور أخرى - يدل على ما لتسوية الصفوف من شأْن عظيم في إِقامة الصلاة، وحُسْنِها، وتمامها، وكمالها، وفي ذلك من الفضل والأَجر، وائتلاف القلوب واجتماعها، ما شهدت به النصوص. وقد تميزت هذه الأُمة المرحومة، وخُصَّت بأَن صفوفها للصلاة كصفوف الملائكة[155].
 
وقد أحسن الناظم حين قال[156]:
وواجبٌ تسويةُ الصفِّ على 
جماعة وأن يسدُّوا الخلَلا 
يَلزق كعبه بكعب صاحبِهْ 
وهكذا مَنكِبَه بمَنكِبِه 
ففي الصَّحيحِ قد أتى الترغيبُ 
في ذا، وجا عن تركِه الترهيبُ 
بالأمر والفعلِ مِن الرسول 
مما رَوى العدلُ عن العُدولِ 
وأولُ الصُّفوف فليُكمِّلوا 
ثمَّ الذي يليه نصًّا نقَلُوا 
وقد أتى النهيُ عن الصُّفوف ما 
بينَ السَّواري فادرِ ما قد رُسما 
 
وختامًا:
"فعليك - رحمك الله تعالى - بالمبادرة إلى الصف الأول، وعليك برص الصفوف وتسويتها ما استطعت؛ فإن هذه سنَّة مُثبتة من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مَن أحياها كان معه في الجنة، كما ورَدَ"[157].

وهذا آخر ما وفَّقني الله - عز وجل - لذكره من تسوية الصفوف وإقامتها وإكمالها ورصها وسد الفُرَج في هذه الرسالة.

وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك
بكر البعداني

_________________


أنا على يقين بأن الرباط المتين الذي جمعني بإخواني في الماضي لم تنل منه الخطوب، فما زال مشروع الدولة الإسلامية القائم على التمسك بالشرع والعمل بإرادة الشعب يملك                                                                     علينا قلوبنا ويهوِّن علينا آلامنا، _ حشاني رحمه الله _


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://salut.mountada.net
 
رسالة في تسوية الصفوف وإقامتها وإكمالها ورصها وسد الفرج
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
للانقاذ :: منتديات الدين الاسلامي الحنيف :: قسم الاسلامي العام-
انتقل الى: